الجمعة، 11 ديسمبر، 2009

عَبَقْ


غنّت فيروز يوماً: " تعا ولا تجي وأكذب عليّ، الكذبه مش خطيه، أوعدني إنه رح تجي، وتعااااا ولا تجي"، بهذا المسك الفيروزيّ بدأ صباحي اليوم، الجمعة من شهر ديسمبر المشمس لعام 2009
مع فنجان قهوة ساخن في إحدى فنادق القدس العتيقة، مع إطلالة من شباك عالي، على شارع صلاح الدين المُعتق بغبرة التاريخ، غبار يحمل في طياته رائحة الناصر صلاح الدين الأيوبي، رحمه الله، ورحم هذا الشعب معه
أفكر... هل أنزل لأتسلق أسوار القدس وأمتطي خيل المغامرات، أم أنضم لأصلي صلاة الجمعة مع أهلها المجتمعين في باحات المسجد الأقصى، تحت رقابة جنود الإحتلال الإسرائيلي، يحسبون عليهم كل حركة وحركه، ويعدّون عليهم كل سجدة وسجده، وكأنهم عزرائيل القادم بأوامر بقبض أكبر عدد ممكن من الأرواح
لا اعلم لما يعتري المدينة هذا الكم الهائل من التناقضات والإختلافات والمتاهات والألغاز... والكثير من الحيره

شباكي العالي المُطل على محلات لبيع الملابس والأقمشة، يخبرني بحكايا وحكايا... قصص حزينة تحمل بين أوراقها نفحات من الأمل الذي كان، وما زال، وسيبقى
ها قد مرّ شهران على إقامتي في القدس، أتخبط وحدي في شوارعها وهي تمازحني يُمنة ويساراً، تُداعب شعري روائحها، فيختلط العطر الفرنسيّ بالنفط والكاز والبنزين المُنبعث من الحي القديم
تائهة التركيز، محتارة... هل أشتري الرفاهية التي يعرضها عليّ والدي بالعودة لمدينة الناصره، لأبقى بحضن العائلة معززة مُكرمة، وأعمل بمجال القانون التقليديّ شأني كشأن أي محامي آخر، كما يقول الوالد أدامه الله لي
أم أقاوم!!! وأقاوم، وأتمسك بالقدس رغم هذا الإختلاط الفكري والعاطفي الذي يجتاحني ويسحبني إلى أعاصير المغامرات بكل انواعها، وأحاول أن أُثـّبت الأرض تحت قدميّ الصغيرتين العابثتين في الهواء بحرية بلا عنوان، تربكني نفسي وتخيفني هذه اللهفة التي تشُع من عيني العسليتين معلنة تمرداً واضحاً مٌنافياً ومقاوماً للواقع المفروض
ولكني غير متفاجئة من نفسي التي تقاوم لتفرض واقعها هي، على أي واقع آخر، يحاول تغيير إتجاهها على مزاجه ووفقاً لأنانية القدر الساخر الذي يلعب معنا لعبة الحياة والموت

في القدس، شعور مختلف للحياة اليومية يفتقده أهلها، ولا يشعرون بعبقه لتعودهم على الروتين وإنشغالهم بمشاكل الحياة المجحفة، والتضييقات الأمنية التي تمارسها إسرائيل ضدهم، مُحاولة خلق مجتمع مقوقع داخلياً ومحبط نفسياً، ومُقيد فكرياً وعاطفياً وسياسياً واجتماعياً، ولكن القادم من الشمال، والقادم مثلي من عمّان بعد غياب سبع سنوات، يرى شيئاً مختلفاً من منظوره المتعطش للإنتماء، يكون منظوراً ثاقباً غير مُنسّق الحدود والمعالم كما عند البعض، وعيناه تحملان كاميرا تصور قدر الإمكان ألوان قوس القزح فقط، مبتعدة عن الأبيض والأسود الذي يغطي عيون المحبطين بنظارة سوداء مُعتمة.

آآآآه كم أحاول أن أبحر في وجوه المقدسيين، علّي أرى مراسي وشطآن! ولكن... لا مرسى ولا شاطىء، ولا بحر يروي القدس أصلاً
لماذا أحارب لأزرع نفسي نبتة في أرض هذه المدينة؟ فلربما لفظتني خارج أحضانها معلنة تمردها على فتاة أكثر منها تمرداً هي الأخرى، وربما كانت القدس لا تحتمل أي زرع جديد
يا قدس... نبتتي تحمل برعماً ملوناً قابلاً لأن يُزهر حياة وأمل، فلا تقتليني وتقتليه
هل تحتويني يا قدس. هل تحتويني
يكفيني كتابة الآن... يجب أن اخرج لأعارك شوارعك، علّي أجعلها تنتصر عليّ اليوم لتعطيني من زخم التاريخ تجارباً رائعة... وبعدها مُأكداً سيكون النصر حليفي أنا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق